الغزالي
183
فضائح الباطنية
فدخل عليه فقال : يا أمير المؤمنين ! ! ما سبب دخولك ؟ قال : « أردت أن أستريح ساعة » . فقال : « أأمنت أن يأتيك الموت ورعيتك على الباب ينتظرونك وأنت محتجب عنهم ! » فقال عمر : « صدقت » ، فقام من ساعته وخرج إلى الناس . ومنها : أن يترك الوالي للأمر الترفه والتلذذ بالشهوات في المأكولات والملبوسات ، فقد روى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سلمان الفارسي يستزيره ، فلما قدم عليه سلمان تلقاه في أصحابه فالتزمه وضمّه إليه وصار إلى المدينة ، فلما خلا به عمر قال له : يا أخي هل بلغك منى ما تكرهه ؟ فقال : لا . قال : عزمت عليك إن كان بلغك منى ما تكرهه إلا أخبرتني ، فقال : لولا ما عزمت عليّ أولا ما أخبرتك : بلغني أنك تجمع بين السمن واللحم على مائدتك ؛ وبلغني أن لك حلتين : حلة تلبسها مع أهلك ، وحلة تخرج فيها إلى الناس ، فقال عمر : هل بلغك غير هذا ؟ فقال : لا . فقال : أما هذان فقد كفيتهما فلا أعود إليهما . ومنها : أن يعلم وإلى الأمر أن العبادة تيسر للولاة ما لا يتيسر لآحاد الرعايا ، فلتغتنم الولاية لتعبد الله بها ، وذلك بالتواضع والعدل والنصح للمسلمين والشفقة عليهم . فقد روى عن أبي بكر رضي الله عنه وهو على المنبر قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الوالي العدل المتواضع ظل الله ورمحه في أرضه ، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله حشره الله تعالى في وقدة « 1 » يوم لا ظل إلا ظله ؛ ومن غشه في نفسه وفي عباد الله خذله الله تعالى يوم القيامة ، ويرفع للوالي العدل المتواضع في كل يوم وليلة عمل ستين صديقا كلهم عبد مجتهد في نفسه » . فهذه رتبة عظيمة لا تسلم في كل عصر إلا لواحد ، وإنما تنال هذه الرتبة بالعدل والتواضع ، وقد روى أبو سعيد الخدري « 2 » عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « سبعة يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ؛ وشاب نشأ في عبادة الله ؛ ورجل قلبه متعلق بالمسجد
--> ( 1 ) الوقدة : شدة حر النار وتلهبها . ( 2 ) أبو سعيد الخدري : سعد بن مالك بن سنان .